طه عبد الرحمن

46

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

بالعقل عنده هو العقل النظري القبلي الذي لا شأن له بالحياة العملية . * أنه عبارة عن إدراك وجداني طبيعي لا صناعة معه وعفوي لا تكلف فيه . * أنه بمثابة ذوق مشترك بين الناس جميعا ، فيكون في جانب منه تجربة جمالية . ونحن إذا تأملنا في هذه الصفات التي يسندها " هيوم " إلى الحس الأخلاقي ، تبيّنا أنها عين الصفات التي جاء الدين على وفقها وبغرض حفظها في النفوس وتزكيتها وصرف أسباب الانحراف والفساد عنها ؛ إذ أنها تطابق السمات التي اختص بها ما أسماه الدين باسم " الفطرة " ، فالفطرة هي ، إجمالا ، عبارة عن شعور أخلاقي يولد به الإنسان في كمال خلقته ، ولا بد لشعور هذه حقيقته أن يكون تلقائيا ، لأن الإنسان مخلوق به وأن يكون جماليا لكمال هذا الخلق وأن يكون عمليا لتعلقه بأفعاله . وعندئذ ، فواحد من افتراضين : إما أن مفهوم " الحس الأخلاقي " هو نقل مقصود لمفهوم " الفطرة " ، وإما أنه ليس نقلا مقصودا له ؛ فإن كان الافتراض الأول ، جاز أن يكون " هيوم " قد وقف على معنى " الفطرة " في النصوص الدينية ، سواء المقدسة منها أو اللاهوتية ، وهو الذي اشتغل طويلا بمسألة الدين وخصص لها مؤلفين طريفين هما : التاريخ الطبيعي للدين ومحاورات في الدين الطبيعي ؛ فعمد إلى إخراج هذا المعنى المنزل عن وصفه الديني باختيار اسم له يصرف عنه كل دلالة غيبية ويناسب توجهه الحسي التجربي « 40 » ، آتيا في هذا بفعل يدخل في نطاق مجهود " العلمنة " الذي شهد انطلاقته في هذه الفترة والذي اتخذ له اسم " الأنوار " « 41 » ؛ وفي هذه الحال يكون " هيوم " قد استمد من الدين ، بطريق مباشر ، الأصل الذي بنى عليه نظريته في الأخلاق . وإن كان الافتراض الثاني - أي أن الحس الأخلاقي ليس نقلا مقصودا للفطرة - ، جاز أن يكون " هيوم " قد ظفر بمفهوم " الحس الأخلاقي " في نصوص الفلاسفة

--> ( 40 ) نستعمل الصفة : " تجربي " المشتقة من اسم " تجربة " ، وليس الصفة : " تجريبي " التي اشتهر استعمالها في هذا المعنى ، والواقع أن " التجربة " غير " التجريب " ، الغالب على الأولى الدلالة على الخبرة الطبيعية كما هي التجربة في الحياة اليومية ، وتقابل عندنا اللفظ الأجنبي : " laitneirepxE " ؛ بينما الغالب على الثانية الدلالة على الخبرة الصناعية كما هو التجريب في المختبرات العلمية ، وتقابل المصطلح الأجنبي : . " latnemirpxE " ( 41 ) لتعلم أن لفظ " الأنوار " هو نفسه مأخوذ من الخطاب الديني .